القرطبي
173
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
لاعمل بها ، فكتب إليه سالم : إن عملت بسيرة عمر ، فأنت أفضل من عمر لان زمانك ليس كزمان عمر ، ولا رجالك كرجال عمر . قال : وكتب إلى فقهاء زمانه ، فكلهم كتب إليه بمثل قول سالم . وقد عارض بعض الجلة من العلماء قوله صلى الله عليه وسلم : ( خير الناس قرني ) بقوله صلى الله عليه وسلم : ( خير الناس من طال عمره وحسن عمله وشر الناس من طال عمره وساء عمله ) . قال أبو عمر : فهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها وحسنها التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها . والمعنى في ذلك ما تقدم ذكره من الايمان والعمل الصالح في الزمان الفاسد الذي يرفع فيه من أهل العلم والدين ، ويكثر فيه الفسق والهرج ، ويذل المؤمن ويعز الفاجر ويعود الدين غريبا كما بدا غريبا ويكون القائم فيه كالقابض على الجمر ، فيستوي حينئذ أول هذه الأمة بآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر والحديبية ، ومن تدبر آثار هذا الباب بأن له الصواب ( 1 ) ، والله يؤتي فضله من يشاء . الثالثة - قوله تعالى : ( تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) مدح لهذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به . فإذا تركوا التغيير وتواطئوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم ، وكان ذلك سببا لهلاكهم . وقد تقدم الكلام في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في أول السورة ( 2 ) . قوله تعالى : ( ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم ) أخبر أن إيمان أهل الكتاب بالنبي صلى الله عليه وسلم خير لهم ، وأخبر أن منهم مؤمنا وفاسقا ، وأن الفاسق أكثر . قوله تعالى : لن يضروكم إلا أذى وإن يقتلوكم يولوكم الادبار ثم لا ينصرون ( 111 ) . قوله تعالى : ( لن يضروكم إلا أذى ) يعنى كذبهم وتحريفهم وبهتهم ، لا أنه تكون لهم الغلبة ، عن الحسن وقتادة . فالاستثناء متصل ، والمعنى لن يضروكم إلا ضرا يسيرا ، فوقع الأذى موقع المصدر . فالآية وعد من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، إن أهل الكتاب لا يغلبونهم وأنهم منصورون عليهم لا ينالهم منهم اصطلام ( 3 ) إلا إيذاء بالبهت
--> ( 1 ) في د وب : الكتاب . ( 2 ) راجع ص 46 من هذا الجزء . ( 3 ) الاصطلام : الاستئصال .